الصفحة الرئيسية


الرائد عمر صخري "للخبر الأسبوعي"
حاوره لمجد ناصر

 

يضع المجاهد والرجل القريب جدا من العقيد محمد شعباني عددا من النقاط على الحروف، حول عدد من القضايا الحساسة والمتعلقة دائما بملف العقيد الشاب الذي تم إعدامه في بداية سبتمبر 1964. من بين هذه النقاط سر الخلاف بين بومدين وشعباني، حقيقة اتصالات أيت أحمد و شعباني، وكذا قصة الجاسوسة الشقراء التي تحدث عنها خالد نزار، والعرض الذي قدمه خيضر لشعباني مقابل انقلابه على بن بلة.

- كنتم من ضمن المتمردين مع محمد شعباني، فكيف كانت نهاية التمرد؟

في البداية كنت متمركزا في جبال الأوراس مع العشرات من المجاهدين. أما محمد شعباني فقد كان متمركزا مع مجموعة من المجاهدين في منطقة جبل امساعد قرب بوسعادة، وبعد مدة طلب مني شعباني الالتحاق به بسبب شعوره بتململ في وسط جيشه، لكنني رأيت من المخاطرة أن أترك الجيش في الأوراس والالتحاق به، وبالتالي فضلت التأني والتريث وسعيت إلى تقسيم فرق المجاهدين عبر مختلف المراكز والجبال المتواجدة عبر سلسلة الأطلس، وفيما أنا منهمك في هذا العمل سمعنا عن طريق الراديو باعتقال محمد شعباني والحسين ساسي، وذكروا اسمي خطأ، نزل الخبر علينا كالصاعقة، لكن الخطأ في سرد اسمي ضمن الموقوفين جعل الجيش يشكك في البالغ، ومن جهتي هدأت من روع المجاهدين وعملت على الرفع من معنوياتهم. أما أنا وفي قرارة نفسي بدأت أفكر في مواصلة المشوار رغم اعتقال محمد شعباني، ورأيت بأن محمد روينة، المدعو قنتار، أولى لخالفته لكونه قائد الجيش، فانتقلت إلى حيث كان موجودا، واجتمعت به. وبدا لي من خلال اللقاء بأن قنتار متململ ومتذبذب، فما كان مني إلا أن اعتمدت على نفسي وواصلت العمل على نسج وتنظيم الخلايا وأفواج الفدائيين، وامتد تنظيمنا إلى العاصمة، حيث جندت بعض المجاهدين وبعض قدماء المصاليين وكان لكل فوج موقعه، منها فوج مهاجمة الرئاسة، وفوج وزارة الدفاع وفوج المطار الخ..

وبالنسبة للتسليح فقد حصلنا على كمية معتبرة ومن بينها 120 رشاش من نوع ''مات''، استطعنا أن نحصل عليها من وزارة الدفاع ذاتها، ولم يبق لي إلا المرحلة الأخيرة من التنظيم للدخول في العمل المسلح، وتتمثل في تأطير هاته الأفواج بتعيين إطارات متمرسة على رأس هاته الأفواج من الجنود الذين كانوا معي. وفي هاته المرحلة سلم قنتار نفسه إلى النظام مع من كان معه، وهنا اختلطت الأمور والحسابات.

بعد ذلك بدأت أفكر في مآل العمل الذي نقوم به، فقد كنت على يقين بأن بومدين سيستعمل قنتار ومن معه ضدنا، وبالتالي فإن الدماء ستسيل والأرواح ستزهق من أبناء جيش التحرير، وهو الأمر الذي كنا نتفاداه، فقد كان همنا قلب النظام لا غير، ولأن محنة صائفة 1962 كانت ماثلة أمامي، وفضلا عن ذلك رأيت بأن قلب النظام بعد إعدام شعباني لا يصب بالضرورة في صالح مجموعتنا أو من هم على نفس الموقف معنا، بعدها اجتمعت مع مسؤولي فرق المجاهدين في المكان المسمى''شعبة القرد'' بمنطقة بسكرة وتدارسنا الأمر، وفي الأخير طلبت من الإطارات توزيع الأموال التي بحوزتهم على الجنود ودعوتهم إلى الانصراف كل إلى بيته، لأنني كنت متأكدا بأنه لن يتم اعتقالهم، فالنظام آنذاك كان يسعى إلى التهدئة بكل الوسائل. وبالنسبة للذين يرفضون الذهاب ويفضلون البقاء في الجبل، فقد فكرت في تزوير جوازات سفر لهم وتسفيرهم إلى الخارج، وانصرف المجاهدون في جو من البكاء والعناق وبقي معي الطارق بابشة وإبراهيم، وظللت انتقل بين تخوم بسكرة وسطح أمدوكال، وفي هاته الأثناء كنت مطلوبا، فالبعض كان يسعى إلى اعتقالي وتصفيتي، في حين كان البعض يريد أن يكون مفاوضا، ومن بينهم رئيس دائرة بريكة آنذاك، والطاهر الزبيري، ولم أبال بكل هؤلاء إلى أن سمعت بأنه أطلق سراح الطاهر عيالني الذي كان معتقلا من قبل نظام بن بلة، وهذا الأخير كنت أثق فيه، فاتصلت به وطلبت منه نقل شروطي إلى بن بلة، مقابل الاستسلام. ومن بين الشروط عدم متابعة المجاهدين، وإطلاق سراح المساجين، وطلبت منه أن يبلغ بن بلة إذا كانت له نية حسنة أن يبدأ بإطلاق سراح الرائد خير الدين محمد الشريف، الذي كان معتقلا رغم أنه لا ضلع له في القضية وهو ما تم فعلا.

وبعدها اشترطت حضور عبد المجيد مزيان الذي كان مكلفا بالداخلية لأسلم نفسي له، وقد اخترت هذا الأخير لأنه عروبي وابن عائلة طيبة ويتحلى بأخلاق فاضلة، فجاءني إلى بسكرة، وركبت معه في سيارة الوزارة وتوجهنا إلى الرئاسة، حيث استقبلنا بن بلة، إذ قال لي هذا الخير لو جئتني قبل اليوم لكان بإمكاننا إنقاذ شعباني من حكم الإعدام، فأجبته بأنني عرفت شعباني قبل أن أعرفك، ولقد رافقت شعباني على أساس الصداقة والأخوة التي ربطتنا أثناء مرحلة الجهاد، وهنا انتهى الأمر.

- ورد في كتاب ''الجيش الجزائري في مواجهة التضليل'' لصاحبه خالد نزار، أن شعباني راح ضحية لجاذبية حسناء شقراء قادمة من بلد باردة ( ص34،35)  وأن تلك الفتاة اعترفت بانتسابها لـ KGB وكان نصيبها حكما بعشر سنوات.. وهو الشيء الذي دفعه للتصدي لهواري بومدين أولا  ثم بن بلة؟

هذا زور وبهتان، بل افتراء يفنده مسار الرجل طيلة حياته، أضف إلى ذلك، إن كان نزار يتحدث عن ذلك، فكل ما في الأمر أن هناك فتاة كانت ضمن جيش الحدود، ولما دخلت إلى الجزائر التحقت بالقيادة العامة للجيش وبعدها أرسلها بومدين كوزير للدفاع إلى الناحية الرابعة التي كان على رأسها شعباني، وبقيت مدة في وسط الجيش ببزتها العسكرية إلى أن جاء الأمر بإرسالها إلى وزارة الدفاع وهو ما تم فعلا، وكل ما في الأمر أن شعباني طبق التعليمات لا غير، وشعباني بأخلاقه الإسلامية ووطنيته المفرطة أسمى من هاته التفاهات والكلام الدنيء، وإذا ثبتت على هاته الفتاة تهمة التجسس. فالمسؤولية تقع على عاتق من أرسلها، أي بومدين.

- هناك حديث يدور يقول بأن اتفاقا قد جرى بين آيت أحمد وشعباني لتشكيل حكومة توكل فيها وزارة الدفاع إلى شعباني؟
لا أساس لذلك من الصحة، فقد كنت حاضرا لما جاء خيضر إلى شعباني وطلب منه الانضمام إلى محمد أولحاج و آيت أحمد والتعاون لقلب النظام، فرفض شعباني العرض، وقرر كذلك عدم مواجهتهم لو طلب منه ذلك، قائلا بأنه غير مستعد للتورط في مواجهة جنود جيش التحرير مثلما وقع في صائفة 1962.


- وما ردكم على من يقول بأن خيضر قد عرض 6 ملايير على شعباني للقيام بانقلاب؟

هاته مجرد إشاعات يراد من ورائها تشويه صورة شعباني، وكان وراء هاته الأراجيف بومدين الذي كان يسعى إلى تخويف بن بلة من شعباني، وبالفعل وقع بن بلة في الفخ، الذي توهم بأن شعباني يضايقه إذ لولاه لتصرف مع بومدين، بطريقة أخرى، في المقابل كان شعباني يعلم بأن بومدين سينقلب على بن بلة.

ومشكلة بن بلة كذلك في كونه يصغي دون تمحيص، فقد حذرته مرارا لكنه لم يأبه، وهذا ما جعله يتخذ قرارات ارتجالية غير مدروسة ولم يميز فيما بين الصديق والعدو.

ورغم هذا التذبذب الذي ميز مواقف بن بلة، فشعباني كان بن بليست حتى النخاع، حتى بعد تمرده، ففي جبل مساعد، حيث كان متمركزا أثناء التمرد، كان يقول للمجاهدين أن بن بلة هو أمل الجزائر والعروبة.

- العقيد أحمد بن الشريف وفي أكثـر من تصريح اتهم شعباني بالإعدام الجماعي للمصاليين، والعدد يقارب 700، وبالتالي يعتبره مجرم حرب؟

هذه أسطوانة قديمة يرددها لحسابات شخصية بينه وبين شعباني، فلعلمك بأن أحسن إطارات جيش التحرير بالولاية السادسة تم اغتيالهم على يد هؤلاء الخونة من أتباع بلونيس، وهناك من كانوا سببا في استشهادهم بطريقة غير مباشرة، بل حتى عميروش والحواس ومن معهما يدخل استشهادهم في هذا الإطار. فجبل تامر، حيث استشهدوا، كان به جيش من المجاهدين ذهب لمطاردة فلول بلونيس وترك الجبل بدون حماية، ولما وصل العقيدان وجدا الجبل بدون حراسة.

أما بعد توقيف القتال، فقد كانت هناك عدة مجموعات من المصاليين مشتتة، ومن أبرزها مجموعة عبد الله السلمي التي كانت على اتصال بالجنرال الذي يشرف على إقليم المدية الذي كان يدعمهم، ولما سعت فرنسا إلى إنشاء المنظمة الخاصة أوفدت خليفة بن عمار من فرنسا، وهو أحد أبرز قادة التنظيم المصالي بهدف ضم هاته الفلول، وتعذر عليه ذلك بحكم تسارع الأحداث، وتيقن من استقلال الجزائر فأراد أن يمسك بحبل جبهة التحرير، ورتب انضمام مجموعة عبد الله السلمي إلى جيش التحرير، وهو ما تم، لكن بعدها اكتشفنا بأن هناك مناورات تجري لإعادة تسليحهم وكانوا على اتصال مع نفس الجنرال بالمدية، فما كان منا إلا تصفيتهم وعددهم قليل جدا مقارنة بالعدد الذي يتشدق به بن الشريف. أما المجموعات الأخرى من فلول أتباع بلونيس فقد بقيت تترصدنا وتنصب الكمائن لجيش التحرير حتى بعد الاستقلال، ومنها مجموعة العود بعين الملح، وطاحين بالدوسن. وبقينا في مفاوضات مع بعضهم حتى بعد إعدام شعباني في 1964،  مثل مجموعة العود.

- ما هي الاستفزازات التي تعرّض لها شعباني وحملته على التمرد؟

من المعروف أن أساس الخلاف بين شعباني وبومدين يرجع إلى تعيين العقيد شابو كأمين عام لوزارة الدفاع، وهو الأمر الذي لم يستسغه شعباني الذي رفض وجود ضباط كانوا في الجيش الفرنسي كمسؤولين على جيش التحرير والجيش الوطني الشعبي فيما بعد، وكان يرى بأنه من الأحرى أن تسند المسؤوليات إلى أعضاء جيش التحرير، وفي المقابل، لم يمن يرى مانعا من وجود الضباط الجزائريين الذين عملوا في الجيش الفرنسي داخل الجيش للاستفادة من كفاءاتهم التقنية. وهنا بدأ يتعمق الشرخ وأصبح شعباني مستهدفا، نظرا لمواقفه المتصلبة وغير القابلة للمساومة، وأصبحت ضرورة تهميشه وإبعاده عن الجيش قناعه لدى خصومه. فعييّنوه في المكتب السياسي بهدف إخراجه من الجيش، وكان يرفض الأمر ومُصر على البقاء داخل الجيش. وفي إطار الاستفزازات، تم تعيين بوتلة كنائب له وبعدها تم إيفاد السعيد عبيد لينصب عمار ملاح مكانه وتراجعوا. وفي نفس الإطار، طلبوا منه الانتقال إلى ورقلة، وتم فصل بسكرة عن الناحية الرابعة. وهناك العديد من الاستفزازات التي لا يتسع المجال لذكرها، ومن آخرها استدعي إلى العاصمة · فلما وصل إلى منطقة سور الغزلان، تم توقيفه من طرف الجيش بأمر من بومدين، ومن حسن الحظ تكلم شعباني مع بن بلة بالهاتف، فأعطيت الأوامر بإطلاق سراحه. ولما وصل إلى العاصمة، علم بأنهم يريدون توقيفه، فهربه خبزي من العاصمة بطائرة هواة إلى بسكرة، وبالتالي لم يكن له خيار الاستسلام أو التمرد

- هل ترى بأن إثارة موضوع شعباني الآن عفويا؟
القضية لم تكن عفوية، بل الهدف من ورائها تشويه صورة بن بلة  وبومدين.


الخبر الأسبوعي العدد 522 من 25 فيفري إلى 3 مارس 2009



Colonel Mohamed Chaabani Web Site