الصفحة الرئيسية


"ضباط فرنسا"..اختراق أم غنيمة حرب؟

بقلم محمد مسلم

قضية الضباط الفارين من الجيش الفرنسي شغلت المجاهدين أثناء الثورة، و تحولت إلى قضية دولة بعد الاستقلال، و دفع أصغر عقيد في جيش التحرير، محمد شعباني، حياته بسببها.. و على الرغم من مرور أزيد من نصف قرن عليها، إلا أنها ما تزال تغذي الجدل. فهل هذه القضية تستحق هذا الاهتمام؟ و ما حقيقة هذه الفئة من الضباط ؟ و هل حقيقة يخدمون أجندة خارجية ؟ و هل هم من قاد المؤامرات أم أنهم ضحايا ؟ و هل حقيقة تمكنوا في فترة من الفترات من السيطرة على مقاليد صناعة القرار؟ هذه الأسئلة و أخرى سيجيب عنها " الملف السياسي" هذا الخميس.

كرة الثلج التي تأبى التوقف  !
تشكل قضية الضباط الفارين من جيش الاحتلال الفرنسي و التي تختصر في عبارة "ضباط فرنسا"، واحدة من القضايا المعقدة التي لا تزال نصنع الجدل، و كان آخر فصول هذا الجدل، الشهادة المدوية لعضو مجموعة ل22، المجاهد عمار بن عودة، بحق الجنرال المتقاعد و وزير الدفاع الأسبق، خالد نزار.
و الضباط الفارين من الجيش الفرنسي، يمكن تقسيمهم إلى فئتين، الفئة الأولى و هي التي تخص أولئك الضباط الذين كانوا يعملون في الجيش الفرنسي قبل و أثناء انفجار الثورة التحريرية، غير أنهم سرعان ما التحقوا بصفوف المجاهدين، و هؤلاء لا يشك أحد في ولائهم لبلادهم و لشعبهم.

و الفئة الثانية، هم الضباط الذين التحقوا قبل الثورة و أثناء انفجارها و بعدها بجيش الاحتلال الفرنسي، غير أنهم بقوا في هذا المعسكر، إلى أن اقتنعوا بأن أيام الاستعمار باتت معدودة، فقرروا الالتحاق بالثورة، اقتناعا منهم أو بإيحاء من جهات ما و لخدمة أجندات مشبوهة.. و هذه هي الفئة التي عادة ما يقصد بها "ضباط فرنسا" و على وجه التحديد "دفعة لاكوست".
و إذا كانت الفئة الأولى قد قوبلت بالترحاب من قبل المجاهدين، فإن الفئة الثانية استقبلت بحذر و توجس و رفض في الكثير من الأحيان، و يؤكد هذا ما جاء على لسان الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، في مذكراته الجزء الأول 1929-1979، و التي ذكر فيها أن الجنرال المتقاعد خالد نزار لما فر من الجيش الفرنسي و التحق بالثورة، قوبل بنفور من قبل المجاهدين ما اضطر الشاذلي للتدخل من أجل التهدئة.
و لم تتوقف القلاقل المترتبة عن هذه القضية عند مرحلة ما قبل الاستقلال، بل امتدت إلى ما بعدها، و هنا يذكر اسم الضابط البطل، محمد شعباني، الذي وقف شوكة في حلق الراحل هواري بومدين، الرجل القوي في نظام الرئيس الراحل أحمد بن بلة، رافضا تولي هؤلاء مسؤوليات هامة في الجيش الوطني الشعبي، و ذهب بعيدا في معارضته إلى أن دفع حياته ثمنا لذلك، فاعتبره الكثير من المؤرخين، أول شهيد لقضية الضباط الفارين من الجيش الفرنسي في الجزائر المستقلة.
و يعتبر الرئيس الراحل هواري بومدين، أول من مكن لهذه الفئة في الجيش، بداعي الاستفادة من خبرتها التكوينية، و بفضله و صل العقيد شابو إلى منصب الأمين العام لوزارة الدفاع، و غيره كثير، بل إن بومدين دخل حتى في حرب كلامية  مع الرافضين لتولي هذه الفئة من الضباط المسؤوليات السامية في الجيش، حيث نُقل عنه قوله : " من يتكلم عن ضباط فرنسا من الآن فصاعدا أضع حجرة في فمه".
غير أن الضباط الفارين من الجيش الفرنسي لم يتمكنوا من زمام الأمور في المؤسسة العسكرية و مؤسسات الدولة المدنية، إلا في عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، الذي عيّن الجنرال المتقاعد خالد نزار وزير للدفاع، بعد أن دفع مجاهدا و جنرالا صاعدا هو الرئيس السابق اليامين زروال، إلى الاستقالة لخلافه مع نزار حول هيكلة الجيش، كما عيّن الجنرال الراحل، العربي بلخير، رئيسا لديوان الرئاسة.
و في هذا  الصدد، يروي مسؤولون سامون في عهد الشاذلي من مجاهدين و أبناء شهداء، أن تأثير العربي بلخير على الشاذلي كان رهيبا، إلى درجة أنه نجح في عزله عن المعسكر المعارض ل"ضباط فرنسا" في رئاسة الجمهورية و رئاسة الحكومة، إلى درجة أنه لم يكن يسمع و لا حتى يلتقي برئيس ديوانه ( بعد بلخير الذي أصبح وزيرا للداخلية)، و لا رئيس حكومته لأسابيع، بل لأشهر..و في هذه الفترة تم إبعاد الكثير من الضباط المجاهدين من قيادة الجيش، مقابل ترقية جل الضباط الذين عملوا في الجيش الاستعماري و تمكينهم من المناصب المفتاحية و التنفيذية في الجيش، فكان الأمر، بالنسبة للشاذلي، أشبه بمن وضع حبل المشنقة على رقبته، لينتهي به الأمر إلى تنحيته في جانفي 1992، كما يجمع الكثير من العارفين بخبايا تلك الفترة.
و خلال فترة التسعينات، ظلت هذه الفئة حاكمة قبضتها على مفاصل الدولة، إلى غاية السنوات الأخيرة من حكم الرئيس بوتفليقة، حيث يعتبر الجنرال محمد تواتي، أخر من غادر المسؤولية كمستشار للشؤون الأمنية برئاسة الجمهورية.

الشروق اليومي  28 أكتوبر 2015

 

 




Colonel Mohamed Chaabani Web Site