الصفحة الرئيسية

أحكي لي يا جدي...قصص قتل !

بقلم جمال الدين حريز

الرئيس الأسبق الشادلي بن جديد تكلّم، و عدا روايات "السويكة" و بوڤلاز التي أسهب في الحديث عنها، لا أعرف إن كان الشادلي قد تعمّد الإشارة إلى ملف مشبوه واحد دون باقي الملفات المشبوهة و ما أكثرها، أم أنه دون وعي مشى فوق قشرة موز كما ُيقال. أنا أتوقف هنا عند ملف إعدام محمد شعباني. و لكم في ما يلي زبدة ما قال الشادلي بن جديد عن إعدام محمد شعباني.. زبدة كما مخضتها أنا:

1- بتهمة زرع الفتنة وسط أفراد الجيش، أمر الرئيس أحمد بن بلّة بمحاكمة محمد شعباني من قبل محكمة عسكرية. إلى حد الآن لا غرابة في الموقف، أن المحاكم العسكرية موجودة لدى كل جيوش العالم، و التاريخ العالمي يزخر بأسماء المحاكمين أمام محاكم عسكرية.

2- الرئيس أحمد بن بلّة أمر إذن بمحاكمة محمد شعباني من طرف محكمة عسكرية، لكن ذلك الأمر لم يأت في شكل أمرية رئاسية أو قرار رئاسي مكتوب أو مرسوم رئاسي أو حتى في شكل برقية بمعنى télégramme إلى أن ُيثبت العكس- ، و إنما أتى في شكل مكالمة هاتفية تلقّاها الشادلي بن جديد من العقيد هواري بومدين، قال له فيها أن بن بلّة أمر بتشكيل محكمة عسكرية لمحاكمة محمد شعباني و أنه هو ( أي بومدين) و الشادلي عضوان في تلك المحكمة! و لأن بومدين كان يشكّ ربما في ألا يصدّق الشادلي كلامه، فقد قال له ما معناه: إن لم تصدّق ما قلت لك، يمكنك أن تسأل بن بلّة شخصيا عن الموضوع!
خلاصة: الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية بدأت تنفّذ أحكام الإعدام في الجزائريين، بـ " ألو".. بمجرد مكالمات هاتفية. بـ " ألو " ، ُتقامُ المحاكم الخاصة و بـ " ألو" ُيعدمُ الناس!

3- ما عدا عضوية بومدين، و الشادلي في تلك المحكمة العسكرية، لم نعرف من الرئيس الأسبق، بأي شكل تم تعيين باقي الأعضاء في تلك المحكمة، و أنا الآن لا أستبعد أن يكونوا قد عُّينوا بواسطةbouche à l'oreille أي عن طريق يُُقال أن الرئيس بن بلّة عيّن أيضا حمّه لفرودور و حدّة العورة أعضاء في المحكمة، فتصبح عضوية حمّه لفرودور و حدّة العورة سارية المفعول.
خلاصة: الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية بدأت تمارس العدالة بمحاكم، كل واحد من الجزائريين كان يمكنه أن يجد نفسه، قاضيا! جيء لتلك المحكمة العسكرية بقاض " مدني" ليرأسها!

خلاصة: هل يمكننا اليوم أن نسمّي تلك المحكمة " محكمة عسكرية" أم " محكمة مدنية" أم محكمة panaché ؟!

4- تلك المحكمة crème au chocolat و بعدما اختير لها أعضاء بتلك الطرق الغريبة، تلقّت الحكم الذي يجب أن تنطق به في حق المتهم محمد شعباني، قبل حتى أن تشرع في النّظر في القضية التي كانت مطالبة بالفصل فيها. الشادلي بن جديد نفسه يقول بأن الرئيس أحمد بن بّلة أمرهم (أي أنه أمر أعضاء المحكمة) بإصدار حكم يقضي بإعدام محمد شعباني!

خلاصة: الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية بدأ قضاؤها ُيمارسُ بمحاكم، تصدر الأحكام التي يجب أن تنطق بها، قبل حتى تشكيل هيئاتها!


5- لا أحد من الرجال الذين تشكّلت منهم تلك المحكمة تجرّأ على نفض الغبار على نفسه - كما يقول الجزائريون-، و قال لبن بلّة :" اسمع يا سي أحمد، صحيح أنك رئيس، و صحيح أننا ملزمون بتنفيذ أوامرك، و لكن صحيح أيضا أنك اخترتنا كأعضاء في محكمة و ما دام الأمر كذلك، فنحن الذين سنقرّر طبيعة الحكم الواجب إصداره في حق رفيقنا محمد شعباني، و إن كنت تريد لهذا الرفيق، الإعدام، فلتحاكمه أنت وحدك و لتعدمه كما يحلو لك، أما أن تصنع منا محكمة صورية و أنت الذي تنطق بالحكم قبل حتى أن ننظر في القضية و نستمع أقوال المتّهم، فهذا ما لا نقبله". من قال لبن بلّة مثل هذا الكلام ؟ ! و لا واحد .. و لا واحد بمن فيهم الشادلي و بومدين.

خلاصة: بومدين الذي قيل لنا عنه أنه كان " سبعا" (أسد) و رجل حق و بارود و صاحب نخوة و همّة، لم يعترض على ما فعل بن بلّة، و سكت إما أنه كان يريد الموت لرفيق السلاح و إما أنه كان يخاف من بن بلّة!

6- المحاكمة تمّت (و أي محاكمة أجرتها أي محكمة) و نفّذت " الميستة " أمر بن بلّة حرفيا، و أصدروا حكما يقضي بإعدام محمد شعباني!

خلاصة: " الميستة" مثلها مثل بومدين، إما أنها كانت تريد الموت لرفيق الجهاد و إما أنها بكل أفرادها كانت تخاف من بلّة!

7-نفس الأشخاص الذين حكموا على شعباني بالإعدام، راحوا بعد إصدارهم للحكم يترجّون من "المحكوم عليه بالإعدام "كي يتقدم لبن بلّة بالتماس عفو عنه !.. حالة كهذه لا أتذكّر أنني شاهدتها حتى في رسوم " ميكي ماوس " المتحرّكة.

خلاصة: " الميستة" إذن، لم تكن تريد الموت لرفيق الثورة التحريرية و إنما كانت تخاف من بن بلّة!

8- المحكوم عليه بالإعدام يرد على الذين حكموا عليه بالإعدام بعدما توسّلوا إليه كي يطلب العفو من الذي حكم عليه بالإعدام قبل حتى أن تعقد المحكمة جلستها، يردّ عليهم إذن بأن يطلبوا هم ذلك العفو باسمه..! سبحان الله العظيم... قصّة كهذه لا أعتقد أن يفكّر فيها حتى كتّاب قصص " بوكيمون."

خلاصة: المحكوم عليه بالإعدام فضّل أن يموت واقفا، و قدّم بذلك الدليل الكافي على السبب الذي قاد إلى إعدامه.. لقد كان فحلا لا يرضخ و لا يخاف من بن بلّة، و لا من الذين حكموا عليه بالإعدام!

9- حسب ما يمكن استنتاجه من كلام الشادلي، كل واحد من أعضاء تلك المحكمة، كان يقول للآخر: تكلّم أنت مع بن بلّة علّه يعفو عن شعباني.

خلاصة: كل واحد من هؤلاء كان يتحاشى الخوض في موضوع العفو مع بن بلّة. ما يعني أن كل واحد منهم كان يخاف من مجرّد الحديث مع بن بلّة!

10- أحد الذين أصدروا الحكم بالإعدام في حق محمد شعباني يجد نفسه مدفوعا من قبل مشاركين معه آخرين في إصدار ذلك الحكم بالقتل، كي يتكّلم مع بن بلّة بخصوص إصدار عفو عن المحكوم عليه بالإعدام، لكن بن بلّة ثار على محدّثه و لم يأمره فحسب بألا يحدثّه ثانية في هذا الموضوع، بل أمره أيضا بألاّ يتّصل به و ألاّ يزعجه ثانية.

خلاصة: الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية بدأت مشوارها برئيس لا يمكن لخلق الله أن يتكلموا معه!

11- بن بلّة و هو يأمر الرجل الذي حادثه في موضوع العفو عن محمد شعباني، لم يكتف بأنه أمر محدّثه بلهجة مهينة بألاّ يتّصل به و ألاّ يزعجه مرة أخرى، و إنما سبّ أمّه - حسب الشادلي! -
خلاصة: أول رئيس للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية إذن كان يسب " يمّات" من معه من قادة في ذات الجمهورية.

قبل ذلك كنت قد سمعت - و قد أشرت لها ذات مرة- أن بلّة كان لا يترّدد حتى عن ضرب من لم يكن يعجبه أو لا يتّفق معه في الرأي. بن بلّة سبّ إذن، أمّ الرجل الذي قال له ما معناه: " يهديك ربّي، أعفو عن محمد شعباني!"

12- باقي أعضاء المحكمة الذين رفضوا مخاطبة بن بلّة بخصوص إمكانية إصدار عفو عن محمد شعباني، أكيد أنهم كانوا يتنصّلون من القيام بهذه المهمّة، و كل واحد منهم كان يقول للآخر: " أنت أجدر بهذه المهمّة أن بلّة يحترمك و يحبّك" أنهم كانوا يتفادون جلب السبّ لأمهّاتهم دون شك.

خلاصة: السلطة التي استلمت مقاليد حكم الجزائر المستقلّة كانت مشكّلة من رئيس يضرب و يسبّ الأمّهات، و قادة ُيضربون و ُتسبُّ أمّهاتهم!

13- بن بلّة لم يكتف بأنه أمر الرجل الذي حدّثه بخصوص العفو عن محمد شعباني بألاّ يتجرأ على الاتصال به و إزعاجه مستقبلا، و لم يكتف بأنه سبّ أمّه، بل أصرّ على أن ينفّذ الإعدام في محمد شعباني في الحين و دون أي تأخر.

خلاصة: الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية بمجرد ما استقلّت، اختارت لنفسها رئيسا، هو الذي يتهم الناس، و هو الذي يعيّن لهم المحاكم، و هو الذي يقرّر أحكام الإعدام التي يجب أن تنطق بها المحاكم، لا يعفو عن الناس، و أكثر من هذا هو الذي يحدّد حتى التوقيت الذي يجب أن ينّفذ فيه الإعدام!

14 -  نفس الرجال الذين قبلوا بأن يشكّلوا محكمة تنطق بحكم أصدره غيرهم، مع أنهم لم يكونوا مقتنعين به و إلاّ لما نطقوا بالحكم بالإعدام ثم هرعوا باتجاه المتّهم طالبين منه التماس العفو من الرئيس..نفسهم، خضعوا و قبلوا بتنفيذ الإعدام في حق رفيقهم، تماما كما كانوا قد خضعوا و قبلوا بالانتماء إلى تلك المحكمة و كما خضعوا و قبلوا بأن ينطقوا بالحكم الذي اختاره رئيسهم.
خلاصة: في الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية كما بدأت بعد 5
جويلية 1962، وحده الرئيس يتهم الناس و يحكم عليهم بالإعدام و لا يعفو عنهم و يختار توقيت قتلهم.. و ما على الآخرين، كل الآخرين بدون استثناء..إلاّ التنفيذ!

15 - ما ُبني على باطل فهو باطل. محمد شعباني ُحكم عليه بالإعدام من قبل محكمة ليست هي التي قرّرت الحكم الذي صدر بحقّه. الإعدام ُنّفذ، و الذين يتحملون مسؤولية تنفيذه في حق الرجل أمام الله و أمام التاريخ ... و أمام القانون، هم الأشخاص الذين انتموا إلى المحكمة التي نطقت بالحكم، و ليس الرجل الذي قرّر طبيعة الحكم خلف السّتار، بدليل أن بن بلّة حينما قرأ في الصحف خبر تنفيذ حكم الإعدام في محمد شعباني، قال لمقرّبيه: " كيف يعدمون ضابطا شاب كهذا" !
خلاصة: رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية حسب ما أمكنني أن أستشفّه من رواية الشادلي بن جديد، يستيقظ في صباح كل يوم لكي لا يقوم إلا بالعمل الذي لا عمل له عداه، و هو البحث عن متّهمين يستحقون عقوبة الإعدام، الرئيس " ُرجلة"، هو الذي يتّهم الناس، و يشكّل لهم المحاكم الخاصة و هو الذي يحكم عليهم بالإعدام و هو الذي يختار توقيت تنفيذ القتل، و لكن " ُّالرجلة" تخونه و يجد نفسه لا يتوفر على الشجاعة الكافية كي يعترف بأنه هو الذي وقف وراء كل ذلك !.. ُرجلة!
الآن حان وقت خلاصة الخلاصات: في الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، الرئيس يتّهم الناس، يشكّل لهم المحاكم الخاصّة، يحكم عليهم بالموت، يختار توقيت القتل، يضرب بعض القادة و يسبّ أمّهات بعضهم الأخر، لا يعترف بكونه مصدر أوامر الإعدام ، بل يبدي استغرابه أحكام الإعدام التي ُنّفذت. و لكنه بالنهاية.. ُيطردُ من الحكم بانقلاب، و هنا يكمن أروع فصل في هذه الكوميديا السوداء. و الذين ينقلبون عليه هم الذين كان يضربهم و يضرب بهم الآخرين و يسبّ أمّهاتهم و يسبّ بهم أمّهات الآخرين، و يهدّدهم بالإعدام و يحكم بواسطتهم بالإعدام على الآخرين. و بعد الانقلاب، كل مرة يطلّ علينا واحد من كل هؤلاء ليروي لنا كيف حكموا بالإعدام على خلق الله، و متى ُنّفذت أحكام الإعدام و أين و كيف... و نحن نصغي لقصصهم، مشدودون و نكاد نبكي لدى انتهاء كل قصّة، ليس أن النهاية في حد ذاتها حزينة مبكية، و إنما أننا لم نكن نريد للقصة أن تنتهي.. انه نوع القصص الذي نعشق.. إنها القصص التي لا نشبع منها.

على كل، ما عرضه لنا الشادلي من مشاهد عن إعدام محمد شعباني، لم يكن كل الفيلم، و إنما هو عرض لنا ومضة دعائية la bande annonce فقط لحلقة واحدة من مسلسل مرعب و مثير و محزن طوييييل، و أبشّركم منذ الآن، بأنه سيكون بمقدوركم غدا أو بعد غد.. طال الزمن أم قصر أن تتابعوا حلقات عديدة، تزخر كلها بتفاصيل قتل الرفاق.. كيف و أين و متى و لماذا ُقتل كريم بلقاسم، و عبان رمضان و آخرون . و كل تلك الحلقات أؤكد لكم بأنها مأخوذة من مجموعة قصصية واحدة من النوع الذي تحبّونه.. قصص الموت. و في كل الحالات، لا يتوفر عندنا في الجزائر إلاّ هذا النوع من القصص، لأن " الميستة" لا قصص لها ترويها لنا عدا هذا الصنف من القصص...
أحكي لي يا جدّي.. أحكي!


جريدة أسرار الأسبوعية العدد 218 من 20 إلى 26 ديسمبر 2008


Colonel Mohamed Chaabani Web Site