الصفحة الرئيسية


ويل لبومدين من شعباني


بقلم حملاوي عكوشي نائب سابق

قيل عن معاوية بن أبي سفيان، إنه عند موته، كان يتقلب في فراشه و يقول مكررا، ويل لي من حجر بن عدي! و كان حجر شديد المعارضة لمعاوية و لكل الأمويين، و هو من أتباع علي كرم الله وجهه، و شجاعته لا تُجاري، حتى إنه حصب مرّة معاوية و هو على المنبر، فقتله معاوية و لكنه ندم على ذلك، فهل ندم في الجزائر كل من شارك في قتل البطل محمد شعباني؟  

و ما أكثر الذين تلوثت أيديهم بدمه الطاهر لكن لا أحد تجرّأ تحمّل اقتراف جريمة قتله، سواء بومدين المتهم الحقيقي في قتله، أو بن بلة، أو المحكمة التي حكمت عليه، أو ضباط فرنسا بإيعاز من بومدين، كما يؤكد هذه الأيام على صفحات جريدة "الشروق" أحد المقربين منه و هو المجاهد علي بن فردية، و المشكور على شجاعته، و يمكن أن يكون الرجل قد تفرّق دمه بين القبائل، بسبب هيمنة شخصية بومدين على الدولة و الجيش إلى اليوم، كما حدث في تركيا أتاتورك، و مصر جمال عبد الناصر.

حاول بومدين أن يمسح الموس في ابن بلة، لدى حواره الطويل مع الصحفي المصري الشهير لطفي الخولي، و ما يؤكد أن ابن بلة الطاغية كما سماه في بيان 19 جوان 1965 هو الذي أمر بإعدامه، و هو ما يؤكد أن الزعيم الأوحد أرعبه دم البطل محمد شعباني، كما أرعب دم الحسين رضي الله عنه الأمويين، و أكد ابن بلة لأمه أنه لم يقتله، و لو سألنا أحد رموز ضباط فرنسا أحمد بن شريف لأكد برائته هو كذلك، في حين أنهم شاركوا في قتله جميعا، قتلوه، لأنه كان يرى أن بومدين و الضباط الذين التفوا حوله ينهون الثورة شيئا فشيئا، و صدق حدسُه، فنحن اليوم نشتكي من حكم 52 سنة التي كرّسها حكم بومدين.
 
و الذي يُمعن النظر  مليا يرجّح تورط بومدين شديد التعطش إلى السلطة، الذي كان يدحرج فيها إلى حجرة منذ تآمره على الحكومة المؤقتة، و بدأ المفاوضات مع الخمسة في سجونهم بفرنسا، ثم القرائن الكبرى بعد أن عضّ على الحكم بنواجذه، و أبعد أقرب المقربين إليه من سياسيين (ڤايد أحمد، بومعزة) و عسكريين ( الزبيري و مجموعته، بل أغلب ضباط مجلس الثورة). و لا ننسى مطاردته و تشتيته لقامات شامخة، مثل بوضياف و آيت أحمد و خيضر و كريم بلقاسم...كل هؤلاء و أولائك طالهم الاغتيالُ و السجن، و حقا طوّع إليه البلاد و العباد و هو في قمة الرجولة (مات و عمره 46 سنة).

فهل نقول بعد ذلك، إن محمد شعباني قُتل من وراء ظهره؟ و من يجرؤ أن يفعل ذلك، إذا كان لا يريد موته؟ فالناظر لما وراء سطور تاريخ المرحوم محمد شعباني يقرأ أنه الوحيد، شجاعةً، و فصاحة و ثقافة و تاريخا نظيفا و رتبة عسكرية الذي يمكن أن ينافس بومدين، و أن يرد عليه، كما كان حجر بن عدي يرد على معاوية، و لذلك تخلّص منه في وقت مبكر. إن غيرة بومدين كانت حاضرة، و هو يجهّز نفسه لاغتيال شعباني، يدرك المرء ذلك، و هو يتذاكر تلك المأساة مع العارفين بالشأن بعيدا عن أعين الإعلام و الصحافة، غير أنه مؤخرا بدأ البعض يتناول تلك المرحلة القذرة المليئة بالتنافس على السلطة، و كان قاتلها بومدين و مقتولها أيقونة الصحراء الشهيد محمد شعباني.

و عندما يسمع الراصد لتلك المرحلة، إلى ما يقوله أمثال عمر صخري، و موسى عيساني كاتبه الخاص، و الذي لا يزال على قيد الحياة، و إلى هذا الذي خرج علينا هذه الأيام علي بن فردية، و ما كان يذكره المرحوم من القول إن الرجلين بومدبن و شعباني ليسا من طينة واحدة.

فالأول يساري قوي ناصري، انطلق من ڤالمة إلى الكتانية إلى القاهرة إلى وجدة إلى غارديماو  من أجل الحكم، و جعل وسيلته إليه التحكم في الجيش، و بسبب حنكته و عبقريته و أمواله و جيوشه ساد عشيرته  أمردا.

إن بومدين استنكر مرة و هو يسمع التلفزيون الجزائري يعدد مناقب جمعية العلماء في ذكرى الشيخ عبد الحميد بن باديس، فرد عليه الدكتور طالب بأدب "إذا لم نذكرهم  فسوف لن نُذكر" فسكت.

و إذا كان استعمل أولاد علماء جمعية العلماء فذلك لكفاءتهم و مطواعيتهم، كما يلاحظ على استعمال ضباط فرنسا لنفس الغرض، لأنه كان يضيق ذرعا بمن يخالفه، و الدليل على ذلك إلحاق أمثال علي منجلي و ڤايد أحمد و  الزبيري، بالشهيد محمد شعباني، و إن كان ليس إلى القبر. 

إن المستقبل، بعد أن تستفيض البحوث و تكثر حول الرجلين العسكريين، سوف تظهر الحقيقة، و تُعلق في رقبة بومدين دماء الشهيد محمد شعباني، كما عُلق دم صالح بن يوسف برقبة الحبيب بورقيبة بيقين حين اعرف بقتله.

سوف تستقر الأمور عند هذه الحقيقة: بومدين خلق أجواء إعدام شعباني رحمه الله و إن لم يخنقه بيديه.

و البعض سوف يستنكر ذلك بسبب حبّهم لبومدين، و لأنه باني الدولة الحقيقي بعد الاستقلال ( دولة لا تزول بزوال الرجال)، و أنه الذي حقق الاستقرار بعد الاقتتال الذي حدث بعد 19 مارس 1962 و ما بعدها و باعث الثورات الثلاث المعروفة، و أصبح للجزائر زعيم العالم  الثالث، و المنطق يقول لهذه الأسباب و غيرها أراد بومدين أن ينفرد بخدمة الجزائر و بعثها بدون منافسة (حتى الخير للجزائر احتكره) و لو بضباط فرنسا، و تكميم  أفواه رجال الثورة و قتلهم و سجنهم و مطاردتهم.
 
و معلومٌ  أنه بسبب الخيبة التي سادت البلاد بعد هلاك بومدين يمجّ الناس انتقاد بومدين، و لو لقتله شعباني، و ما دروا أن هذه هي سياسة بومدين و نتائجها، لأن سياساته فيما يسمى ب "الثورات الثلاث" هوت مع انهيار اليسار عامة منذ ثلاثة عقود في روسيا و أوروبا الشرقية، و  حتى صنوه عبد الناصر الذي لم يبق منه إلا السد العالي، كما أشار الدكتور أبو القاسم  سعد الله في أواخر أيامه أنه كان خيرا للبلاد لو سارت في نهج جمعية العلماء التي منها محمد شعباني، بدلا من النهج الاشتراكي لبومدين و ابن بلة الذي خلّف وراءه التصحر و التسطح و التخلف، و الدولة اليوم ينخر فيها سوس بومدين و خلفه الحالي !  

أحرى بالجزائريين أن يعملوا على تقييم بومدين و نقده في كل وسائل الإعلام، كما حدث ل"ستالين" بعد موته سنة 1953، أو جمال عبد الناصر سنة 1973.

أما أن يكال المديح لرجل على المليح و القبيح، فذلك ليس بصحيح.

إن أمثال الشهيد محمد شعباني هم بمثابة الجواهر في تراب الثورة الجزائرية العظيمة التي انفجرت في أول نوفمبر 1954. إن شعباني جوهرة دفنها بومدين في التراب، و الطغاة  لا يدومون و دولهم أسرع للسقوط، و لا يبقى إلا الجوهر.

كان موت شعباني على يد زبانية فرنسا و راعيهم، خسارة للجزائر و لشعبها، و لا يظن القتلة أن التاريخ ينصفهم كما ينصف المظلومين، أين يزيد من حسين؟  و أين عبد الناصر من سيد قطب؟ و أين صدام من باكر الصدر اليوم؟ و ها هو شعباني يُنصف ببطء و لكن بإطراء مستمر. إن عودة شعباني إلى الألسن و الأقلام، و ربما بما يضاهي تواري بومدين، هو من عدل الله في الأرض. إن السياسيين و المفكرين و المؤرخين، يصنّفون ضمن العامة لو أنهم استمروا على ذكر بومدين بما لا يفعل، و بخس حق شعباني بما فعل.

و الفرق بين الرجلين في استخدام المال و الدموية و السلوك و الاتجاه، و الإخلاص للنفس و للوطن، و أسلوب الاستعانة بالرجال، يمكّنك من سلم التنقيط الحقيقي لكلا القائدين، و يّسمع السعيد عبادو يوما يقول في أروقة البرلمان لمن سأله: كيف خدع شعباني بتلك الطريقة حتى ذبح؟ " كان لا يعرف خبث الرجال"، و كم تعاني الجزائر من خبث الرجال و مازالت كما في كلام السياسي الجزائري المعروف فرحات عباس.

و إذا حلا لشخص أن يقول إن محمد شعباني كان جوهرة الثورة، فماذا يقول عن بومدين الجاني عليه؟  

الشروق اليومي 22 ماي 2014




Colonel Mohamed Chaabani Web Site