الصفحة الرئيسية


ابن بلّة.. ودوغول

بقلم محمد الهادي الحسني

أريد في هذه الكلمة أن أقارن بين أحمد ابن بلّة وبين شارل دوغول في نقطة واحدة، لأنه لا مجال للمقارنة بينهما .
فابن بلة مسلم العقيدة وإن شابتها شوائب، وندعو له الله –عز وجل- أن يتجاوز عن سيئاته، ودوغول من الذين أفسدوا فطرة الله التي فطر الناس عليها، وكفر بقوله إن الله ثالث ثلاثة، وبقوله المسيح ابن الله – تعالى عن ذلك علوا كبيرا .
وابن بلة مناضل من أجل الكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، وقضية الحرية..وقد أصابه في ذلك ما أصابه، وما سيجزيه عنه الله، ودوغول من أظلم الناس للناس، ويكفيه سوءا أن جريمة 8 ماي 1945 وقعت في عهده الأول، حيث استشهد خمسة وأربعون ألفا من البشر لأنهم هتفوا للحرية، وتظاهروا من أجلها فكانت عاقبتهم ما دوغول أعرف به..ويكفيه جرما أن يجرب في عهده الثاني قنابله الذرية في الجزائر، حيث لا يزال البشر والشجر والحجر يعانون من آثارها إلى اليوم ..
ولكن مقارنتي بين هذا وذاك في نقطة واحدة، هي تصرف كل واحد منهما باعتبارهما رئيسين، فكل منهما كان رئيسا لشعبه، وإن كان هناك فرق في طريق وصول كل منهما إلى السلطة .
فدوغول انتخبه شعبه بحرية لا شية فيها، وابن بلة استجاب لأمر دبّر ضد الحكومة الشرعية لبلده، وقبل أن يكون واجهة لتلك المؤامرة، فسنّ في الجزائر سنّة الانقلابات، فتجرع علقمها، ودفع ثمنها .
واجه كل من ابن بلة ودوغول معارضة مسلحة لسياسته، فقد اعترض - في سنة 1961- على دوغول أربعة ضباط كبار، هم شال، وصالان، وجوهو، وزيلر، واعتبروه مفرطا في الجزائر، وما فرط دوغول في الجزائر، ولكنه أجبر على ذلك بإرادة الشعب الجزائري .
كان من رأي أولئك الضباط الأربعة الإصرار على خرافة "الجزائر الفرنسية" ولو كلف ذلك ما كلف من أموال ورجال، وكان من رأي دوغول - كما قال لصديقه آلان بيرفيت - أن "يخلص فرنسا من الجزائر"، لأن فرنسا كانت مهددة - كما اعترف في مذكراته بسبب الثورة الجزائرية - بحرب أهلية بين الفرنسيين، وفقد جيشها الانضباط، وأشرفت على الإفلاس، ونسي العالم صوتها ...
لقد أصرّ دوغول على مواجهة أولئك الضباط ومن تبعهم، فأمكن منهم، وقبض عليهم، وحاكمتهم محكمة عسكرية عادلة ومُكنوا من جميع الوسائل للدفاع عن أنفسهم، ولم تهن كرامتهم ولم يمس شرفهم العسكري .
حكمت المحكمة على أولئك الضباط بالإعدام لخروجهم عن القانون، وتمردهم المسلح على السلطة الشرعية، وتعريضهم الجيش الفرنسي للانقسام ..
ولكن دوغول القائد والرئيس، قدر أولئك الضباط، ولم ينس بلاءهم في سبيل فرنسا، وتضحياتهم من أجلها.. فاستعمل ما يخوّله له القانون، فخفف الحكم على أولئك الضباط من الإعدام إلى التأبيد.. ثم بعد أمة أطلق سراحهم، ولم ينس الفضل بينهم ...
كما اعترض على ابن بلة وعلى بعض سياسته بعض الجزائريين فأذاقهم في سجونه ما لم تُذقه لهم فرنسا في سجونها.. وقد سجل بعض ذلك الدكتور أحمد طالب الابراهيمي الذي كان مسجونا مع ابن بلة في فرنسا. وكان ما عاناه، وما شهده، وما سمعه في سجون ابن بلة داعيا له، وهو المؤمن أن يفكر في الانتحار. (مذكرات جزائري ج1.ص250.ط دار الغرب الإسلامي)
كان ممن اعترضوا على سياسة ابن بلة المجاهد محمد شعباني- رحمه الله - ومن معه من مجاهدين، وقد ذاقوا في سجون ابن بلة من الأهوال ما يشيب الولدان في المهود، وينطق الموتى في اللحود .. وما يزال عن تلك الفترة البئيسة شهود .
حوكم محمد شعباني وحكم عليه بالإعدام، وقيل إن قبره حفر قبل صدور الحكم ...
وقد طلب من ابن بلة أن يستعمل ما أجازه له القانون من عفو عن شعباني أو تخفيف ذلك الحكم... ولكنه صعّر خده، ولوى رأسه استكبارا في الأرض بغير الحق، ووضع في أذنيه وقرا، وأصر على تنفيذ حكم الإعدام، ولم يراع بلاء الرجل، وجهاده، وحرقة والدته ..
لقد طارد شبح محمد شعباني ابن بلة إلى آخر عمره، وراح بعدما أطلق سراحه، وابتعد من مهده واقترب من لحده، راح يبدي الندم، ويلقي المعاذير، ولات ساعة مندم.. ويصح في ابن بلة وأمثاله ما قالته أسماء أم عبد الله بن الزبير لقاتله : "لقد أفسدتم عليه دنياه، وأفسد عليكم آخرتكم ".
إن هؤلاء الحكام الظالمين يجهلون –والجاهل لا يعذر بجهله- أو يتجاهلون حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم- القائل ما معناه ما يزال المسلم في سعة من أمره ما لم يصب دما حراما، أو كما قال عليه الصلاة والسلام .
وقد يبرئ بعضهم نفسه، ويلقي المسؤولية على غيره ممن نفذ، وجهل أن العقوبة - كما جاء في بعض الآثار - عشرة أعشار، يبوء بتسعة منها من أمر، والعشر الباقي لمن نفذ .
فاللهم احفظ جوارحنا من الظلم، واجعلنا من عبادك المظلومين لا من الظالمين، وخذ كل ظالم أخذ عزيز مقتدر .


جريدة الشروق اليومي 28-01-2016

 



Colonel Mohamed Chaabani Web Site