الصفحة الرئيسية

 


 

شاهد ما شافش حاجة

عظيمي محمد مسعود ضابط سامي متقاعد

تابعت تصريحات هامة أدلى بها العقيد وعضو مجلس الثورة السابق أحمد بن شريف حول العديد من القضايا الوطنية الهامة التي عرفتها الجزائر منذ بداية الاستقلال إلى نهاية السبعينات من القرن الماضي، و التي لعب بعض الأدوار بحكم مناصب المسؤولية الهامة التي تقلدها.
و من أهم الأحداث التي تعرض لها بن شريف، تستوقفنا مسألتان هامتان :
أولا محاكمة العقيد شعباني محمد و ملابسات التعجيل بإعدامه : حيث يمكن تلخيص كل ما جاء في تصريحات العقيد بن شريف في ما يلي :

1- تمسكه بمسؤولية كل أعضاء هيئة المحكمة، و كذا كل من أحمد بن بلة و هواري بومدين، الأول بصفته رئيسا للجمهورية آنذاك والثاني بصفته وزيرا للدفاع الوطني و نائبا للرئيس.

2- نفيه القاطع أن يكون قد عذب العقيد شعباني، أو كلف أحد الضباط من الذين سبق لهم العمل في الجيش الفرنسي بإهانته بعد القبض عليه، مع العلم أن الرائد شريف خيرالدين، أحد رفاق المرحوم شعباني، تؤكد عكس ذلك.
3-  إقراره الصريح بأن أحمد دراية هو من تولى تنفيذ حكم الإعدام.

4-ارتكاب العقيد شعباني محمد لخطئين فادحين: الأول يتمثل في زعزعة وحدة الجيش، و الثاني قيامه بتصفية 750 من أتباع مصالي الحاج في ولاية الجلفة بعد توقيف القتال.

و يمكن مناقشة هذه المسائل الأربع فيما يلي:

بالنسبة للمسألة الأولى فإنه يمكن الوصول في النهاية إلى مسايرة العقيد أحمد بن شريف و مشاطرته قناعته بأنه لم يكن بالفعل المسؤول الوحيد عن إعدام شعباني، فإعدام شخصية مثل شعباني تتجاوز مسؤولية العقيد بمفرده. لكن الإشكال الذي طرح على الساحة الوطنية على إثر الشهادات القيمة التي أدلى بها الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، هو أن العقيد بن شريف لم يكن حاضرا أثناء المحاكمة، و مع ذلك فقد قام بالتوقيع على حكم الإعدام، لذلك فقد كنا نرجو من العقيد أحمد بن شريف أن يرفع هذا الالتباس لما جاء في شهادة الرئيس الشاذلي بن جديد، مع توضيح الأسباب الداعية لغيابه أو نفي ذلك.

أما فيما يتعلق بالمسألة الثانية و المتعلقة بالتعذيب و الإهانة في حق العقيد شعباني على إثر إلقاء القبض عليه، فإننا كنا نرجو من العقيد أحمد بن شريف أن يرد على الرائد شريف خير الدين بصفته أحد رفاق الشهيد شعباني، و لاسيما بالنسبة لحادثة "فنجان القهوة" بالجلفة. أما الاقتصار على الكلام العام الذي مفاده هذه التهم "مجرد أكاذيب و تصريحات مغرضة، و تافهة صادرة عن بعض المجاهدين المزيفين".. فهذا يجعلنا في حاجة إلى المزيد من الشرح و تقديم بعض الأسماء مع ضرورة توضيح المقصود ب"المجاهدين المزيفين" فهل هم مجاهدو الداخل أم بعض الضباط الهاربين من الجيش الفرنسي؟!..

أما بالنسبة لشهادة العقيد أحمد بن شريف و التي مفادها أن أحمد دراية هو من تولى تنفيذ حكم الإعدام، فقد كان الأجدر بالسيد أحمد بن شريف أن يترفع عن توجيه الاتهام إلى شخص متوف أو ذكره بالسوء احتراما للحديث النبوي الشريف الذي يحثنا على أن لا نذكر موتانا إلا بالخير. و طبعا ما دام أحمد دراية ميتا فإننا لا ننتظر أن تأتي شهادة في الاتجاه المعاكس..

أما بالنسبة للمسالة الرابعة و الأخيرة في ملف العقيد محمد شعباني رحمه الله، فإنها تتمثل في حدثين مثيرين للنقاش. فالأول معروف عند العام والخاص وهو تمرد المرحوم ورفضه الانصياع للأوامر، مع العلم أن رفاق المرحوم و المقربين منه يقدمون تفسيرا أخر للأحداث و يرون أن العقيد شعباني دُفع للعصيان من طرف الطابور الخامس أو بسببه، و بالرجوع إلى ما كتبه إلى المعني بالأمر في رده على محاولات فرنسا تقسيم الجزائر و استثناء الصحراء من الاستقلال في مقال عنوانه ب"مهزلة المهازل" يُفهم بوضوح المعدن الوطني النقي الذي ينحدر منه الرجل، كما يُفهم أيضا أن أمثال محمد شعباني لا يمكن أن يحملوا في طياتهم فكرا تمرديا أو انفصاليا أو جهويا. أما بالنسبة لقيامه بالقضاء على 750 من أتباع مصالي الحاج مباشرة بعد توقيف القتال. و رغم  موقف مصالي الحاج و أتباعه المعروف و المعادي للثورة المسلحة و لجبهة التحرير الوطني، إلا أن هذه المسألة تعد شهادة جديدة جاء بها السيد أحمد بن شريف. لذلك فإننا نرجو من مجاهدي ولاية الجلفة و من كل رفاق السلاح للعقيد شعباني أن يدلوا بدلوهم من اجل معرفة الحقيقة كاملة حتى و لو كانت مرة.

ثانيا ملابسات موت الرئيس الراحل هواري بومدين :
- أقر العقيد أحمد بن شريف أن الرئيس الراحل هواري بومدين مات مسموما في زرالدة.

- يتهم أطرافا داخلية بتدبير المؤامرة، لكنه يرفض تقديم أسماء هذه الأطراف التي يؤكد بأنها مقربة من بومدين.
- يكذب
ما جاء في شهادة الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد و التي مفادها أن بومدين كان قد اختاره لخلافته قبل أن يموت.
- يؤكد بأن بومدين كان يعول عليه لخلافته حيث جاء في تصريحاته أن بومدين و "قبل أن يموت قال لي بأنه يثق في
لحمل المشعل من بعده"

و من دراسة كل هذه الشهادات الهامة يمكن استخلاص ما يلي:

1- أخيرا جاء تصريح العقيد أحمد بن شريف ليؤكد صراحة و بكل وضوح الشكوك القوية التي راجت حول اغتيال الرئيس الراحل هواري بومدين، و التي كانت قد تطرقت لها مجلة "عالم السياسة" في بداية التسعينات من القرن الماضي .

و لا  شك أن مثل هذه الشهادة الصادرة عن قائد الدرك الوطني و عضو مجلس الثورة في عهد المرحوم هواري بومدين، سيكون لها أكثر من دلالة بحكم اطلاع صاحبها عل كل الملفات الهامة بسبب منصبه. فالشاهد لا يشك فقط في أن بومدين مات مقتولا أو مغتالا، بل يقدم توضيحات في غاية الدقة فيما يخص طريقة الاغتيال و الأطراف المنفذة للجريمة، فالطريقة هي وضع السم القاتل و المكان هو زرالدة و الفاعلون هم أطراف داخلية كانت مقربة من بومدين.

و يفهم من هذا التصريح أن السيد أحمد بن شريف إما أنه كان حاضرا وقتها على مسرح الجريمة، و بالتالي فقد كان يعلم بها.. حتى لا نقول أشياء أخرى.. أو على الأرجح أنه اطلع على بعض الوثائق الرسمية التي تؤكد كل ما جاء في شهادته.

و من حقنا كمواطنين جزائريين أن نسأل الشاهد عن سبب سكوته و صمته كل هذه المدة ليأتي اليوم، في هذا الظرف بالذات، بعد أكثر من ثلاثين سنة ليدلي بمثل هذه الشهادة المثقلة بأعباء و نتائج هامة. فالمغتال يا" سي أحمد بن شريف" ليس شخصا عاديا، فهو رئيس جمهورية و مع ذلك فإن العقيد أحمد بن شريف الذي يدعي قربه لا يحرك ساكنا و لا يكلف حتى الأجهزة المختصة بواجب القيام بالتحقيق في ظروف و ملابسات الاغتيال، و السعي إلى تقديم المتآمرين و الجناة إلى العدالة من أجل إحقاق الحق و تبرئة الذمة.. و المصيبة أن الشاهد حتى بعد كل هذه المدة يرفض أن يقدم الأسماء، و فعله هذا تصدق عليه مقولة " شاهد ماشافش حاجة". إننا نريد أن نعرف الحقيقة كلها يا حضرة العقيد ليس بهدف التجني أو توقيع العقوبة لأن الدعوى العمومية مع الأسف الشديد سقطت بفعل التقادم، و لكن من أجل الاستفادة من التاريخ و من دروسه على قساوتها و مرارتها، فلو تمكنا يومها من معرفة الحقيقة و من معاقبة المتآمرين و الجنات لما وصلت الجزائر ربما في التسعينات إلى حادثة اغتيال الرئيس الراحل محمد بوضياف رحمه الله على المباشر.

و اعتقد أن هذه الحادثة الأليمة تبين مدى عزلة الراحل هواري بومدين عندما كان في الحكم، كما أنها تبين بوضوح أن الزعيم الراحل كغيره من البشر أخطأ خطأ فادحا يوم أن رفض مبادرة العقيد شعباني القاضية بضرورة تطهير صفوف الثورة، و رد عليه بمقولته المشهورة "من الطاهر بن الطاهر الذي يريد أن يطهر.." و كان من نتائج هذا الخطأ أن قضى عليه و قضى على الثورة.

و لما أحس المرحوم بأن التطهير أصبح أكثر من ضرورة حتمية، و كان ينوي إحداثه مع انعقاد المؤتمر الرابع للحزب، تحكت إذن زمرة الخيانة و التآمر المزروعة في صفوف الثورة، و تعبد الطريق للرداءة و عدم الاستقرار و التصرف في أموال الشعب بتفصيل استعمال مؤسسات الثورة للحصول على الثروة و عرقلة بناء الجزائر على أسس سليمة.

2- المسألتان الثالثة و الرابعة متداخلتان و تتعلقان بخلافة المرحوم هواري بومدين، فالعقيد بن شريف يكذب تكذيبا قاطعا ما جاء في شهادة الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد التي مفادها أن بومدين كان قد اختاره لخلافته، بل إنه يؤكد على العكس من ذلك، بأن المرحوم كان يعول على "سي أحمد" لخلافته.. و لسنا ندري أي الشهادتين نصدق أو نكذب، فقد تكون إحدى الشهادتين صادقة، و بالتالي فإن الأخرى قد تكون كاذبة. أما إذا كانت الشهادتان صادقتان فمعنى هذا أن بومدين رحمه الله بما أوتي من حنكة و ذكاء كان يجاري كلا منهما أو أنه كان يريد أن يحيد بعض المقربين منه من أجل التفرغ لبناء المؤسسات بعيدا عن كل الدسائس و المؤامرات و المغامرات، و أننا نتعجب من هذا الموقف العدائي من الرئيس الشاذلي بن جديد رغم أن الشعب الجزائري برمته لا يزال يتذكر ما صرح به " أحمد "غداة اختيار الشاذلي بن جديد خليفة لبومدين.."رانا خرجنا لوطوروت"، و يحق لنا أن نسأله إن كان في مقدوره أن يتحامل على الشاذلي بن جديد لو انه ما زال في السلطة انطلاقا من موقفه الحالي المدعم للعهدة الثالثة رغم أنه كان من اشد المعارضين لتولي الرئيس الحالي لخلافة بومدين.. و لا يسعنا هذا إلا أن نقول لبن شريف وأمثاله بالعامية التي يفهمها: "الثور كي يطيح تكثر اللّماس.. وراهم فاقوا يا سي أحمد..."

    
جريدة الخبر 18-02-2009  


Colonel Mohamed Chaabani Web Site