الصفحة الرئيسية


الأسباب غير المباشرة التي عجلت بإعدام العقيد شعباني محمد 


بقلم عظيمي محمد مسعود
ضابط سامي و أستاذ جامعي و باحث


على إثر التصريحات التاريخية القيمة التي أدلى بها الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، لاسيما في شقها المتعلق بظروف و ملابسات محاكمة العقيد محمد شعباني و إعدامه، و ما تبع ذلك من مقالات و شهادات و وثائق تاريخية تُنشر لأول مرة على صفحات يومية "الشروق" تتضح الصورة كاملة، أولا حول شخصية الشهيد الذي عُجل بإعدامه في أعز سنوات شبابه و في بداية السنوات الأولى لاستقلال الوطن و مع الخطوات الأولى لبناء الدولة الجزائرية المستقلة، و ثانيا حول الأسباب المباشرة التي كانت وراء اعتقاله و تقديمه للمحاكمة و الإسراع في تنفيذ حكم الإعدام فيه.

و مع ذلك فإن التساؤلات التالية تظل تفرض نفسها بإلحاح في هذه القضية و تحتاج إلى إجابات سريعة و مقنعة :
- ما هي الأسباب غير المباشرة التي عجلت بالتخلص من شعباني و الكثير من أمثاله ؟!‪..
- ما هي أهم الدروس المستخلصة من قضية إعدام شعباني محمد ؟!‪..
- لماذا لا يدلي بشهادته كل من الرئيس الأسبق بن بلة و العقيد بن شريف، الأول بصفته رئيسا للجمهورية آنذاك و بالتالي يتحمل المسؤولية كاملة، و الثاني بصفته أحد عناصر هيئة المحكمة الذي كان يحمل عندها أعلى رتبة عسكرية و المُوقع على الحكم القاضي بالإعدام مما يجعله يتحمل هو أيضا النصيب الأكبر من المسؤولية بالنسبة للأعضاء الآخرين؟!‪..

إن الأسباب الغير مباشرة لتفسير الظاهرة التاريخية أو الحدث التاريخي تكون في الغالب أهم و أصدق من الأسباب المباشرة التي غالبا ما تتخذ كمجرد ذريعة للقيام بعمل معين مثل حادثة المروحة التي لازالت عالقة بأذهان كل الجزائريين و التي استعملت كذريعة لغزو الجزائر. لذلك فإن الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء إعدام البطل " شعباني محمد" قد يتعين البحث عنها في مبادئ الرجل و رؤاه الفكرية والعقائدية و مواقفه الوطنية الصلبة و المتجذرة في أعماق الجزائر و تاريخه النضالي و سجله البطولي و قدراته القيادية الفذة و ارتباطه الوثيق بالشعب و بالقاعدة النضالية التي انطلق منها و ظل وفيا لتطلعاتها و آمالها. فالرجل كان متشبعا بالمبادئ العربية الإسلامية، ولا غرابة في ذلك فهو ابن زاوية و نهل من علوم و أفكار جمعية العلماء المسلمين قبل أن يلبي نداء الواجب ويلتحق بالثورة. و كان الرجل من قادة الداخل الكبار الذين قضوا سنوات الكفاح المسلح في أحضان الشعب الجزائري، و تكون هذه السنوات و ما تمخضت عنه من تضحيات جسام قد صقلت شخصية الرجل و جعلته يزداد التصاقا بالشعب و إخلاصا له ‪ .فيتألم لألمه و يفرح لفرحه، بل و يغضب لغضبه و يثور لثورته. و كل هذا جعله في النهاية يؤمن إيمانا راسخا بعظمة هذا الشعب و عظمة ثورة نوفمبر الخالدة، فلم يعد يهادن أو يساوم في المسائل الوطنية المصيرية لاسيما ما تعلق منها بضرورة الحفاظ على نقاوة الثورة و مآلها، و بالأخص عندما يتعلق الأمر بمواجهة مخططات الاستعمار الفرنسي و ضرورة الحفاظ على الاستقلال الوطني كاملا غير منقوص، و ضرورة تطهير الصفوف من كل العناصر الداخلية و المندسة المشكوك في ولائها للوطن و الثورة و خاصة دفعة "لاكوست" المرفوضة من القاعدة الشعبية النضالية الواسعة


و لعل المستوى الثقافي العالي الذي كان يتمتع به الرجل مقارنة بالكثير من زملائه، و قدراته الكبيرة على التمييز و استكشاف المستقبل جعلته في مقدمة الوطنيين الأوائل الذين ينددون بكل صراحة و في وثائق مكتوبة بمسألة " تسرب عملاء لفرنسا داخل جيش الحدود"  بل و يطالب علانية بضرورة تنقية الصفوف و تنحية هذه العناصر العميلة من مؤسسات الجزائر المستقلة احتراما للمبادئ الأصيلة التي قامت عليها الثورة و ضحى من أجلها الشهداء. و مواقف مثل هذه لابد أن تجلب للمرحوم المزيد من الأعداء و الحساد، و تجعله في مقدمة الذين يجب التخلص منهم من طرف فرنسا و أعوانها.

ولا شك أن الشهادة القيمة التي أدلى بها الرائد شريف خير الدين أحد رفاق الشهيد الرمز  فيما يخص حادثة " فنجان القهوة " بالجلفة لهي خير دليل على ما يكنه " ضباط فرنسا" من كره و عداوة لشعباني المجاهد و أمثاله. و لقد كان المرحوم واعيا بذلك كل الوعي مما جعله يصرح لرفيق دربه قبل لحظات من تنفيذ حكم الإعدام قائلا بأن " فرنسا هي التي حاكمتني اليوم و ليست الجزائر" ما أعظم هذا الرجل و ما أقدس روحه و ما أحوجنا اليوم إلى أمثاله!!‪...

لقد أعدم شعباني البطل بسرعة مذهلة و رفض طلب العفو عنه أو حتى تخفيض حكم الإعدام و استبداله بعقوبة أخرى، و كأن الأمر يتعلق بمجرد الإسراع في عملية التخلص من أحد المجرمين الخطيرين. لكن ما هي أهم الدروس التي يمكن أن نستخلصها من هذه الحادثة المؤلمة التي كانت إعلانا عن تكريس انحراف الثورة؟
!‪..
ثم هل نحن اليوم في منأى عن مثل هذه التصرفات الرعناء؟!‪...

مما لا شك فيه، حسب شهادة الرئيس الشاذلي بن جديد، أن المحاكمة تمت من اجل النطق بحكم الإعدام الذي كان قد صدر قبل إعلان تشكيل المحكمة ذاتها. مما يعني أن المحكمة لم يتم تشكيلها من أجل النظر في الأفعال و التهم الموجهة إلى العقيد شعباني و إنما فقط من أجل المصادقة على حكم صدر خارج أسوار المحكمة، مما يجعلنا نشكك في مصداقية هذه الهيئة و حتى في مصداقية الحكم الصادر عنها، و بالتالي فإنه وفقا للقاعدة القانونية المعروفة فإن " كل ما هو مبني على باطل فهو باطل"‪.

و مع ذالك فسيظل كل من الرئيس بن بلة و العقيد أحمد بن شريف مطلوبين للإدلاء بشهادتيهما و تقديم كل التوضيحات الخاصة بملابسات محاكمة العقيد شعباني و إعدامه من أجل الوصول إلى تأكيد ما قيل حول هذه القضية أو نفي ذلك .
 
و في الختام فإنني أسمح لخيالي أن يسرح بي بعيدا و أطرح هذا السؤال البريئ:
مذا لو أن شعباني لم يُعدم؟!..و كيف سيكون مصير الجزائر لو أنه و رفقاءه في النضال مثل خيضر و بن مهيدي و الحواس و عميروش و غيرهم من الرعيل الأول من المجاهدين لا زالوا أحياء يُرزقون؟!.. أكانت الجزائر تكون في مثل هذه الوضعية المزرية؟!...أكنا نصل بكل سهولة إلى أحداث أكتوبر " المفبركة" التي جلبت لنا الدمار و الخراب و التي فتحت الباب واسعا لخروج أعداء الجزائر و أذناب الاستعمار إلى الواجهة بعدما كانوا قبل هذا التاريخ يتسترون وراء المجاهدين و لا يجرؤون على الظهور العلني.

أكنا نصل إلى أحداث التسعينات المؤلمة و ما نتج عنها من إرهاب أعمى و توقيف للمسار الانتخابي وتعطيل لكل المؤسسات الشرعية للجمهورية و تخريب للاقتصاد الوطني و الدخول في مراحل انتقالية لم تفرز لنا سوى الرداءة و الرشوة و المحسوبية و الجهوية على حساب الكفاءات الوطنية المخلصة و النزيهة ؟!‪.. 

المهم في قضية شعباني أننا عرفنا جزءا يسيرا من الحقيقة لكننا لم نعرف كل الحقيقة، و من حقنا أن نرفع أصواتنا عالية للمطالبة لكشف الحقيقة على مرارتها و قساوتها حتى تتمكن الأجيال الحاضرة من تجنب مثل هذه الأخطاء الفادحة مستقبلا، و بذلك فقط يمكن أن نكون في منأى عن مثل هذه التجاوزات حاضرا ومستقبلا.
 

جريدة الشروق اليومي 14-01-2009



Colonel Mohamed Chaabani Web Site